ابن قيم الجوزية
66
الروح
في أكلها وشربها وحركتها وانتقالها وكلامها ، وسيأتي مزيد تقرير لذلك عن قريب إن شاء اللّه تعالى . وإذا كان هذا شأن الأرواح فتميزها بعد المفارقة يكون أظهر من تميز الأبدان ، والاشتباه بينها أبعد من اشتباه الأبدان ، فإن الأبدان تشتبه كثيرا وأما الأرواح فقل ما تشتبه . يوضح هذا أنا لم نشاهد أبدان الأنبياء والصحابة والأئمة ، وهم متميزون في علمنا أظهر تميز ، وليس ذلك التمييز راجعا إلى مجرد أبدانهم ، وإن ذكر لنا من صفات أبدانهم ما يختص به أحدهم من الآخر ، بل التمييز الذي عندنا بما علمناه وعرفناه من صفات أرواحهم وما قام بها ، وتميز الروح عن الروح بصفاتها أعظم من تميز البدن عن البدن بصفاته ، ألا ترى أن بدن المؤمن والكافر قد يشتبهان كثيرا ، وبين روحيهما أعظم التباين والتمييز ، وأنت ترى أخوين شقيقين مشتبهين في غاية الاشتباه وبين روحيهما غاية التباين ، فإذا تجردت هاتان الروحان كان تميزهما غاية الظهور . وأخبرك بأمر : إذا تأملت أحوال الأنفس والأبدان شاهدته عيانا ، قل أن ترى بدنا قبيحا وشكلا شنيعا إلا وجدته مركبا على نفس تشاكله وتناسبه ، وقل أن ترى آفة في بدن إلا وفي روح صاحبه آفة تناسبها ، ولهذا تأخذ أصحاب الفراسة أحوال النفوس من أشكال الأبدان وأحوالها فقلّ أن تخطىء ذلك . ( ويحكى ) عن الشافعي « 1 » رحمه اللّه في ذلك عجائب . وقلّ أن ترى شكلا حسنا وصورة جميلة وتركيبا لطيفا إلا وجدت الروح المتعلقة به مناسبة له ، هذا ما لم يعارض ذلك ما يوجب خلافه من تعلم وتدرب واعتياد . وإذا كانت الأرواح العلوية وهم الملائكة متميزا بعضهم عن بعض من غير أجسام تحملهم ، وكذلك الجن ، فتميز الأرواح البشرية أولى .
--> ( 1 ) الإمام المعروف ، توفي بمصر سنة 204 ه .